محمد متولي الشعراوي
4267
تفسير الشعراوى
من حياة أبيه ، وإن سلسلت ذلك فسنصل لآدم ، فكل واحد من ذرية آدم إلى أن تقوم الساعة فيه جزىء حي من آدم . وما دام فيه جزىء حي من آدم فقد شهد الخلق الأول ، ولذلك حين يسألهم اللّه سؤال التقرير ويقول : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ فيقولون : بَلى . وضربنا المثل لنقرب وقلنا إن الذرة الشائعة في شئ ، تشيع في أضعاف الشئ ، وسبق أن قلنا : إننا إذا جئنا بمادة ملونة حمراء - مثلا - في حجم سنتيمتر مكعب ، ثم أذبناها في قارورة ، وبذلك يصبح كل جزء في القارورة فيه جزء من المادة الملونة ، وإن أخذت القارورة وألقيتها في برميل واسع ، هنا تصير كل قطرة من البرميل فيها جزىء من المادة الحمراء ، وإن أخذت ماء البرميل وألقيته في البحر فكل ذرة في البحر الواسع يصير فيها جزىء من المادة الملونة ، وهكذا يقرب من ذهن كل منا أن في كل إنسان جزيئا من آدم ، وقد شهد هذا الجزىء العهد الأول . ولقائل أن يسأل : كيف يخاطب اللّه الذر الذي كان موجودا في ظهر آدم ؟ . نقول : كما خاطب الأرض وخاطب السماء ، فهو القائل : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) ( سورة فصلت ) إذن فعدم إدراكنا لكيفية الخطاب بين رب ومربوب ، لا يقدح في أن هذه المسألة لها أصل ولها وجود . وهذا بالنسبة للعهد الأول ، وبعده العهد الثاني الذي أخذه اللّه على رسله ، مصداقا لقوله الحق : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 ) ( سورة آل عمران )